محمد جواد مغنية
18
في ظلال نهج البلاغة
وبعد أن ذكر الإمام ( ع ) خلق الكائنات على سبيل العموم والاجمال أشار إلى خلق السماوات بقوله : ( ونظم بلا تعليق رهوات فرجها ) . الكواكب قائمة في الجو بلا دعائم وتعليق ، وهي منظمة تنظيما محكما ، وكل واحد منها عبد لوظيفته ، ومسخر لمهمة خاصة ، وما من شك ان السبب المباشر لذلك هو قوانين الطبيعة ، ولكن من أوجد هذه القوانين ، وأناط بها سير الكواكب واستمرارها في تأدية الوظيفة ولا مناص أبدا من القول : ان سلسلة الأسباب مهما تعددت حلقاتها فإنها تنتهي لا محالة إلى المبدأ الأول الذي لا سبب له وإلا بقي كل شيء في طي العدم . ( ولا حم صدوع انفراجها ) أي ألصق أجزاء الجرم الواحد بعضها ببعض . ( ووشّج بينها وبين أزواجها ) . أي جعل بين الكواكب المتشابهة تجاذبا وتماسكا على ما بينها من البعد ( وذلَّل للهابطين بأمره ، والصاعدين بأعمال خلقه حزونة معراجها ) . قال الشيخ محمد عبده : المراد بالهابطين والصاعدين الأرواح السفلية والعلوية ، وقال غيره : المراد بهم الملائكة ، ومهما يكن فان الروايات عن أهل البيت ( ع ) تقول : ان الكواكب السماوية مأهولة بالسكان حتى الشمس ، وسنشير إلى بعضها ، وإذا تعذر علينا نحن الآدميين ان نحيا هناك فليس معنى هذا ان الحياة - بشتى أنواعها - مستحيلة على الكواكب ، فإن الأجسام والأرواح تتكيف بحسب الظروف والبيئات ، كالسمك يحيا في الماء ، والبط فيه وفي البر ، وبعض الكائنات الحية في الفضاء ، وأخرى في آبار النفط ، ومن الحيوانات والحشرات والطيور ما يعيش في منطقة من الأرض دون أخرى . ( وناداها بعد إذ هي دخان فالتحمت عرى أشراجها ) . يشير بهذا إلى مادة الكواكب ، وانها كانت في البدء أشبه بالدخان أو البخار ، وفي الآية 11 من سورة فصّلت : « ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها » . ويقرب من هذا قول بعض علماء الطبيعة : ان أصل الكون مادة لطيفة كانت في الفضاء ، وأسموها بالأثير تارة ، وبالسديم أخرى أي الضباب الرقيق . وسبق الكلام عن ذلك في شرح الخطبة الأولى . وقوله : فالتحمت عرى أشراجها ، معناه ان أجزاء الكوكب التصق بعضها ببعض ، وتماسك تماما كما تمسك عروة الإبريق بيدك . ( وفتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها ) يشير إلى الآية 30 من سورة الأنبياء : « إن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما » . فتق سبحانه السماء بالمطر ، والأرض